الحلبي
369
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
خلقه اللّه عليها إلا مرتين : حين سأله أن يريه نفسه ، فقال : وددت أني رأيتك في صورتك : أي وذلك بحراء أوائل البعثة بعد فترة الوحي بالأفق الأعلى من الأرض ، وهذه المرة هي المعنية بقوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) [ التكوير : الآية 23 ] وبقوله تعالى فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ( 7 ) [ النجم : الآية 6 و 7 ] « طلع جبريل من المشرق فسدّ الأفق إلى المغرب ، فخرّ النبي صلى اللّه عليه وسلم مغشيا عليه ، فنزل جبريل عليه السلام في صورة الآدميين وضمه إلى نفسه ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه » الحديث . والأخرى ليلة الإسراء المعنية بقوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) [ النجم : الآية 13 و 14 ] وسيأتي الكلام على ذلك . وفي الخصائص الصغرى : خص صلى اللّه عليه وسلم برؤيته جبريل في صورته التي خلقه اللّه عليها : أي لم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا صلى اللّه عليه وسلم . وذكر السهيلي أن المراد بالأجنحة في حق الملائكة صفة الملكية وقوة روحانية ، وليست كأجنحة الطير . ولا ينافي ذلك وصف كل جناح منها بأنه يسدّ ما بين المشرق والمغرب ، هذا كلامه فليتأمل . ولعله لا ينافيه ما تقدم عن الحافظ ابن حجر من أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا ، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه . والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى ، بل يخفى على الرائي فقط ؟ واللّه أعلم . ومن حالات الوحي أي نفسه أي الموحى به لا حامله الذي هو جبريل أن اللّه تعالى أوحى إليه صلى اللّه عليه وسلم بلا واسطة ملك ؟ بل من وراء حجاب يقظة أو من غير حجاب بل كفاحا ، وذلك ليلة المعراج . واسم الإشارة يحتمل أن يكون لنوعين وقع كل منهما ليلة الإسراء . ويحتمل أن يكون نوعا واحدا ، وأن الأول بناء على القول بعدم الرؤية . والثاني بناء على القول بالرؤية . وحينئذ لا يناسب عدّ ذلك نوعين كما فعل الشامي ، ومن ثم نسب ابن القيم هذا النوع الثاني لبعضهم كالمتبرئ منه حيث قال : وقد زاد بعضهم مرتبة ثانية ، وهي تكليم اللّه تعالى له صلى اللّه عليه وسلم كفاحا بغير حجاب هذا كلامه ، لأن ابن القيم ممن لا يقول بوجود الرؤية ؟ فما زاده بعضهم بناء على القول بوجود الرؤية كما علمت . وحينئذ يكون هذا ليلة المعراج ، وعلى هذا جاء قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [ الشّورى : الآية 51 ] . وقول ابن القيم السادسة : أي من حالات الوحي ما أوحاه اللّه تعالى إليه ، وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها ، لأن ذلك إنما هو ليلة المعراج بغير